ليست كل الرياديات بدأن بحلم شركة... بعضهن بدأن بسؤال؟!...
منذ أيام الجامعة، لم تكن القراءة لديها ترفًا، بل كانت وسيلتها لفهم العالم وإدراك ما يحيط بها ...
تغوص في علم النفس، في الوعي واللاوعي، في استكشاف الهوية الذاتية، وتتأمل عقولًا عظيمة مثل ويليام شكسبير، متسائلة دوماً: كيف تُصنع كل هذه المعرفة؟! كيف يمكن للإنسان أن يترك أثراً يتجاوز زمانه؟!...
لم يكن الإنترنت آنذاك مكتبة مفتوحة، حيث كانت المعرفة تُنتزع انتزاعًا، وفي اختبارات الشخصية التي كانت تملأ المنتديات الالكترونية، تكرر السؤال لديها: هل تختارين وظيفة مريحة براتب متواضع أم وظيفة مرهقة براتب عالٍ؟!... وكان جوابها باستمرار: أختار الدور الذي يناسبني...
الأمومة: حين تتغير الأدوار… وتضيع الهوية
بعد تخرجها، عملت منسقة مشاريع في منظمة غير حكومية في مدينة إربد، تتابع مشاريع ممولة من الاتحاد الأوروبي، حينها لم تكن “الريادة” مصطلحًا شائعًا بعد، لكنها كانت تمارسها يوميًا: تبحث عن الحل لا عن أسباب المشكلة، تؤمن بأن كل يورو يجب أن يتحول إلى أثر حقيقي يصنع الفرق.
ثم جاءت أول نقطة تحوّل...
وبعد الزواج استقرت سوسن في محافظة اخرى ... تفتقر الى الفرص... عامان بلا عمل... عامان من الصمت الداخلي... من الشعور بأنها تذوب في أدوار جديدة: زوجة... أم... ومسؤولة عن بيت... وعائلة....
تصف تلك المرحلة قائلة: “كنت أشعر كأنني في بطن الحوت... لا ألوم أحدًا… لكنني لم أعد أعرف نفسي.”
لاحقًا ... عملت عن بُعد" قبل أن يصبح ذلك اتجاهًا عالميًا " وبدأت تكتب مقترحات مشاريع (Proposals) لمؤسسات كبرى بتمويل من منظمات دولية لقد تعلّمت وحدها، طوّرت نفسها بنفسها، استطاعت ان تبني خبرة حقيقية، لكنها كانت تعمل بمستلزمات عمل بسيطة جداً، مثلاً: كانت تستخدم طاولة الطعام في بيتها للعمل، وجهاز لابتوب قديم يحتضر، وبحد أدنى من الرواتب.
المفارقة انها كانت وراء نجاح هذه المشاريع وحصولها على المنح بسبب قدرتها الإبداعية في اعداد وصياغة هذه المشاريع … لكن السؤال الذي يطرح نفسه: هل سوسن استطاعت ان تحقق ولو جزءاً بسيطاً من هذا النجاح ... مع الأسف الإجابة: هي فقط كانت تعيش براتب بسيط لا يعكس عملها او حتى تقدير لمجهودها وعملها الدؤوب.
وهنا لم تولد فكرة… بل وُلد وعي... التحول الحقيقي: لستُ مدفونة… أنا مزروعة
خلال خمس سنوات من العمل عن بُعد، لم تكن تعمل في كتابة مقترحات المشاريع الاحترافية فحسب فقط بل كانت تقرأ الفرص، تحللها، تعيد صياغتها، تشارك بها الاصدقاء من النساء، تساعدهن على الفوز بها.
كانت ترى العالم مليئًا بالمنح والتدريب والبرامج الدولية منها: تمكين النساء، مبادرات تبادل ثقافي، مسرعات أعمال... لكنها كانت دومًا خلف الكواليس...
ثم جاء عام 2020... وبدأ العالم يتمركز اهتمامه على العمل في البيت بدلاً من الذهاب الى المكاتب بسبب جائحة كورونا ... العمل عن بُعد أصبح حديث الساعة ...
هنا وللمفارقة ... بابتسامة هادئة: للمرة الأولى، شعرت أن العالم يعيش واقعي...
لكن العمل عن بُعد لم يكن رومانسيًا بل أصبح يتماشى مع "العزلة ... نقص فيتامين D ...غياب روح الفريق والعمل الجماعي ... غياب الإحساس بكل مفرداته بأنك جزء من هذا العمل وبعيدة كل البعد عن التواصل مع الزملاء واصحاب العمل"...
وتستذكر سوسن أنه: في إحدى لقاءات العمل، قال لها مستشار ذات يوم: "أنتِ موهوبة جدًا. لماذا تعملين بهذا الأجر؟"
كان السؤال بسيطًا… لكنه أحدث شيئاً في داخلها، كم أستحق فعلًا؟!...
هنا بدأت أزمة الهوية تتحول إلى إعادة تعريف... لم تكن ضائعة. كانت تعيد تشكيل نفسها.
وتستعيد اليوم جملة غيّرت منظورها: "في الوقت الذي تشعرين فيه أنكِ تُدفنين… أنتِ في الحقيقة تُزرعين." كل تلك السنوات لم تكن اختفاءً... كانت جذورًا تمتد في صمت...
الريادة: من الغصّة إلى الرسالة
حين أدركت أنها تملك المهارة والرؤية والعلاقات، سألت نفسها السؤال الذي أجلته طويلًا:
لماذا أبحث عن عمل دائماً لدى الآخرين… لقد حان الوقت لبناء شركتي الخاصة؟! ، بدأت الفكرة تتكوّن:
• منصة توظف السيدات عن بُعد...
• تعرفهن على الفرص...
• تعلمهن المهارات اللزمة لتطويرهن مهنياً...
بحيث تتمكن من تشكيل مساحة بلا عزلة... بلا استغلال... بلا اختزال في رقم هزيل...
تقدمت إلى برامج تموُل المشاريع الريادية في الأردن منها “زينك" ... لم تُقبل...لم تتوقف...
قُبلت لاحقًا في تدريب جائزة ملكية للريادة، ثم تقدمت إلى "Founder Institute" إحدى أكبر مسرعات الأعمال في العالم، حيث أتمت هذا البرنامج بنجاح. حيث كادت تنسحب في الأسبوع الثاني بسبب وعكة صحية ألمت بابنها، والضغوطات كثيرة لكن في لحظة حرجة بين القبول والرفض، هاتفها المدير الاقليمي قائلاً:
I can feel your passion… لذا... "لا تنسحبي من البرنامج ..."
أخذت قرار الاستمرار فاذا هي تفوز بأعلى تقييم في عرضها الأول... ومن هنا، اتسعت لها دائرة العلاقات الدولية، تعرفت على رائدات أعمال، على نماذج عالمية لتمكين الأمهات، على مرشدين في وادي السيليكون، اكتشفت أن تحديات المرأة ليست محلية… بل عالمية.
اختيار الدور ... iRole
في أحد تمارين اختيار اسم المشروع، كتبت جملة كانت تؤمن بها منذ الجامعة:
“This is your life, shape it or someone else will.”
ثم توقفت عند فكرة بسيطة: It’s my role.
"دوري أنا أن أختار الدور الذي أريده... أكون أمًا، أو موظفة، أو رائدة أعمال، أو كل ذلك معًا... القرار لي."
ومن هنا وُلدت فكرة (iRole)...
(iRole) ليست مجرد منصة توظيف... بل دعوة للنساء ليخترن أدوارهن بأنفسهن.
الأم… الجذر الأول
حين تُسأل عن الداعم الأكبر، لا تتردد: “أمي.”
في أصعب مراحلها، حين تركت العمل، حين سمعت التعليقات، حين شعرت أنها تتلاشى… كانت أمها ثابتة. قد لا تكون جزءًا من هذه التغييرات الجوهرية في حياة سوسن، لكنها تفهم أن ابنتها في مرحلة مهمة جداً نحو التغيير ... تريد ان تفتخر بها... ان تكون خلف نجاحها ... ان تمارس دور الامومة ولكن بصيغة مختلفة ... داعمة ... مشجعة ... ثابتة ... حتى تساعدها لتصنع الفرق في أدوارها الجديدة....
“هي من زرعت فيّ الثقة قبل أن أعرف اسمها”.
اليوم...
لم يكن تأسيس iRole قرارًا عابرًا… بل كان لحظة نضجٍ لكل ما مرّت به سوسن.
كل تلك السنوات من العمل بصمت، من الشعور بعدم التقدير، من رؤية الفرص وهي تمر أمام نساء كثيرات دون أن يستطعن الوصول إليها… تحوّلت فجأة إلى رؤية واضحة: لماذا لا تكون هناك مساحة تُعيد تعريف العلاقة بين المرأة والعمل؟! ...
ومن هنا، لم تولد منصة تقليدية… بل وُلدت فكرة تحمل رسالة...
iRole لم تكن مجرد موقع إلكتروني، بل منصة صُممت لتُمكّن المرأة العربية من العودة إلى سوق العمل بثقة. تُقدّم لهن مهارات التوظيف الأساسية، وتفتح لهن أبواب التطوير الذاتي وورش العمل، وتربطهن بفرص تعليمية ومهنية حول العالم، وترافقهن خطوة بخطوة في التقدّم لها.
كانت ترى في كل امرأة انقطعت عن العمل بسبب الأمومة أو الزواج… بداية مؤجلة، لا نهاية.
وفي كل خريجة جديدة… طاقة تبحث عن اتجاه... وفي كل امرأة تعيش في المحافظات أو تواجه قيودًا في الحركة أو حواجز ثقافية… فرصة تستحق أن تُخلق، لا أن تُنتظر.
وهكذا، تحوّلت iRole إلى مساحة آمنة… لا تُقصي الظروف… بل تتكيّف معها، ولا تطلب من النساء أن يغيّرن حياتهن… بل تساعدهن على بناء حياة تناسبهن، ولأن الأثر الحقيقي لا يمرّ بصمت… بدأت خطوات سوسن تجد صداها.
وسط أكثر من 1400 مشروع من مختلف أنحاء العالم، استطاعت iRole أن تثبت حضورها، وأن تحصد جائزة دولية ضمن جائزة أورانج للمشاريع المجتمعية، في إنجاز لم يكن مجرد تتويج لفكرة… بل اعتراف برسالة.
في تلك اللحظة، أدركت سوسن في اللحظة التي بدأت تسأل نفسها… تحوّلت إلى إجابات تغيّر حياة أخريات، لم تعد الرحلة عن إثبات الذات فقط… بل عن فتح الطريق لغيرها.
في النهاية… لم تكن قصة سوسن عن عملٍ تركته… ولا عن شركةٍ أسستها… كانت عن لحظة صدقٍ مع الذات… حين قررت ألا تقبل بحياةٍ لا تشبهها.
iRole ...لم تكن مجرد منصة… بل كانت امتدادًا لرحلةٍ طويلة من البحث… والتساؤل… والانكسار… ثم النهوض... رحلة بدأت بسؤال: من أكون؟!... وانتهت بإجابة: أنا من أختار.
واليوم…مرة أخرى...
لا تقف سوسن عند حدود نجاحها الشخصي، بل تفتح الطريق لنساءٍ كثيرات… ليعدن… لا فقط إلى العمل… بل إلى أنفسهن... لأن سوسن تؤمن بأنه:" لو عاد بي الزمن، سأختار الطريق نفسه بكل تعبه."
لأن الحقيقة التي اكتشفتها سوسن… هي ذاتها التي قد تغيّر حياة أي امرأة:
أن التوقف… لا يعني النهاية...
وأن الطريق قد يتأخر… لكنه لا يضيع...
وربما… هذه ليست نهاية قصتها... ربما… هي بداية قصتكِ أنتِ...
اليوم ... سوسن تعرف شيئًا واحدًا بوضوح: هي لم تكن يومًا ابنة ظرفٍ محدود... ولا امرأةً مدفونة...
كانت بذرة… انتظرت موسمها فقط...
سوسن اللوباني
https://www.linkedin.com/in/sawsan-lubani-a4007056/
https://youtu.be/aytEbsbVPl0
الاردن
Comments
Post a Comment